عمر الشهراني

‏14 ديسمبر 2024 مدونة سفراء نوريكس
مشاركة

في هذه المقالة، أروي رحلتي من الرغبة إلى الشغف في عالم التمريض، أشارك كيف بدأت طريقي وسط مشاعر الغربة وإنتقادات المحيطين، وكيف تحولت هذه التجربة إلى رسالة سامية بفضل لقاء ملهم وتجارب إنسانية غيرت نظرتي للحياة. إنها قصة عن الصبر، التحدي، والإيمان بأن أعظم الإنجازات تبدأ احيانًا من حيث لا نتوقع.

بدأت رحلتي مع التمريض كعابر سبيل ضل طريقة، لا يدري إلى أين يسير. وجدت نفسي غريباً وسط عالم جديد لم أشعر بالإنتماء له. كنت أتساءل كل يوم بيني وبين نفسي: هل هذا هو مكاني؟ هل هذا الطريق الذي يفترض أن أسير فيه حتى النهاية؟ كانت الأسئلة تملأ ذهني وتحاصرني في كل لحظة، وكنت أبحث عن وسيلة للهروب من تخصص لم يزهر حبه في قلبي بعد.

لم أكن أرى مستقبلاً واضحاً في هذا المسار، وكنت أتمنى لو أن الأمور تسير في إتجاه آخر.ومما زاد من شعوري بالغربة أنني واجهت إنتقادات متكررة من بعض المقربين حولي بشأن التخصص. كنت أسمعهم يطالبونني بتغييره ويحاولون إقناعي بأن التمريض ليس الطريق الأنسب لي. كانوا يرون بأن هناك مجالات أخرى مستقبلاً أفضل، وكانوا يعتقدون أن اختياري للتمريض قد يكون تسرعًا أو خيارًا غير صائب. هذه الآراء أثقلت كاهلي، وبدلاًمن أن تمنحني الطمأنينة أو الدعم، زادت من شكوكي حول قراري. كنت أتساءل: هل ما يقولونه صحيح؟ هل يجب أن أتراجع وأبحث عن طريق آخر؟ هل كان يجب أن أختار شيئاً مختلفاً منذُ البداية؟

رغم محاولاتي المتكررة لتغيير تخصصي الدراسي، شاء الله أن أبقى في هذا التخصص. كنت أذهب إلى الكلية يوميًا أشعر وكأنني غريب في عالم لا يشبهني، وأحاول فقط أن أتمم يومي دون أن أجد أي شغف أو حماس يدفعني للأمام. شعرت أن التمريض مجرد التزام أكاديمي علي تجاوزه، وليسحلمًا يوقظني كل صباح بطاقة جديدة.

لكن في يوم ما ، حدثت نقطة تحول غيرت كل شيء. التقيت بأحد أعضاء هيئة التدريس وكان شخصًا استثنائيًا في حبه للتخصص وشغفه بمهنته. لم يكن مجرد استاذ ينقل لنا المعرفة، بل كان ملهماً ينقل لنا روح المهنة ومعناها العميق، كان يتحدث عن التمريض بحماس يجعلنا نستشعر جماله وإنسانيته، ويظهر لنا كيف يمكن لهذه المهنة أن تكون أكثر من مجرد عمل، بل رسالة إنسانية سامية.

كان الأستاذ يشاركنا قصصًا حقيقية عن مرضى وحالات عاشها، وكان يوضح لنا كيف يمكن لإبتسامة صغيرة أو كلمة طيبة من الممرض أن تغير حياة المريض وتعيد له الأمل. هذه الدروس لم تكن أكاديمية فقط، بل كانت عاطفية وإنسانية. ومع مرور الوقت، بدأت أرى التمريض من زاوية مختلفة. بدأت أدرك أنني لست مجرد شخص يؤدي واجبًا بل يمكنني أن أكون مصدرًا  للراحة والدعم للأشخاص في أشد لحظات ضعفهم. شيئًا فشيئًا، بدأ هذا الشغف يتسلل إلى قلبي ببطء، حتى وجدت نفسي متحمسًا للذهاب إلى الكلية كل يوم، متشوقًا لتعلم مهارة جديدة واكتساب معرفة أعمق.

 

ازداد هذا الشغف مع الوقت، وبدأت أجد نفسي أكثر إنخراطًا في دراستي، وأكثر رغبة في إثبات جدارتي في هذا المجال. اجتهدت بكل ما أملك من طاقة وحرصت على تقديم أفضل ما لدي. في النهاية، اجتزت سنوات الدراسة بتفوق كبير، وتخرجت بمرتبة الشرف وبتقدير ممتاز. كان هذا الإنجاز بالنسبة لي نقطة فخر، ليس فقط بسبب النتيجة الأكاديمية، بل لأنني شعرت أنني بدأت أخيرًا أجد مكاني في هذا المجال.

لكن، مع بدء سنة الإمتياز، بدأت أواجه تحديات جديدة أعادتني إلى دائرة الشك. كانت الأيام طويلة وشاقة، وكنت أتعامل يوميًا مع حالات مرضية متفاوته، ولكل مريض قصته التي تترك أثرًا في نفسي. أكثر اللحظات صعوبة بالنسبة لي كانت عند فقدان المرضى. كنت أشعر بغصة كبيرة وحزن مع كل حالة وفاة، كنت أتساءل: هل أمتلك القوة العاطفية للإستمرار؟ هل يمكنني تحمل هذه الأعباء يومًا بعد يوم؟

رغم هذه المشاعر، مع الوقت بدأت أكتسب القوة وأتعلم كيف أتعامل مع هذه التحديات. أدركت أنني لست وحدي، وأن هناك فريقًا كاملاً من الأطباء والممرضين والممارسين الصحيين يعمل معي، وكل منا يحمل جزءًا من العبء. كما اكتشفت أن هناك مصادر للقوة في هذه المهنة لا يمكن العثور عليها في مكان آخر، دعوات المرضى الصادقة وعبارات الشكر التي كنت أسمعها كانت كفيلة بأن تبعث في نفسي الأمل وتخفف عني التعب. كانت تلك الدعوات بمثابة شريان حياة يضخ في قلبي الحماس ويجدد شغفي يومًا بعد يوم.

بالإضافة إلى ذلك، العمل في المستشفى والتعامل مع المرضى عن قرب جعلني أقدر نعم الله علي بطريقة لم أكن أتخيلها من قبل. كنت أقف على معاناة المرضى وأرى بأم عيني صبرهم في مواجهة الألم، وإحتياجاتهم التي قد نعتبرها نحن أمورًا بديهية. هذه التجارب جعلتني أشعر بإمتنان عميق على صحتي وقدرتي على تقديم المساعدة. كنت أعود كل يوم إلى المنزل بقلب مليء بالشكر لله، وقد ازدادت قناعتي أن العمل في التمريض ليس مجرد مهنة، بل فرصة عظيمة لرؤية النعم التي نعيشها يوميًا ولكن نغفل عنها أحيانًا.

وهكذا أدركت أن التمريض ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل رسالة عظيمة تستحق التفاني. لقد أصبحت كل تجربة مهما كانت صعبة ومؤلمة نقطة قوة جديدة أضيفها إلى رحلتي كل تحدي كان يكشف لي عن مدى قدرتي على التكيف والصمود وعن حجم الأثر الذي يمكنني تركه في حياة الآخرين.

اليوم أواجه كل يوم بروح جديدة وشغف لا ينطفئ، أصبحت أرى في التمريض وسيلة لتحقيق رسالتي في الحياة، ووجدت فيه الغاية التي لم أكن أدركها في البداية. أنا هنا لأصنع فرقًا لأغرس بذورالأمل، ولأثبت أنني  ولدت لهذا الطريق، حتى وإن كنت في البداية قد شعرت بأنني تائه.

وفي الختام، أقول لكل شخص يمر بتجربة مشابهة، أعطوا أنفسكم فرصة، لا تحكموا على الأمور من بدايتها فقط، قد تحمل الأيام المقبلة ما لم يكن بالحسبان، وربما يكمن في التجربة التي رفضناها بداية أعظم الإنجازات وأعمق المشاعر، قد تكون التحديات هي ما نحتاجه لنكتشف قوتنا الحقيقية، وقد تكون التجارب التي بدت لنا في البداية عبئًا هي التي تمنحنا أعظم الدروس.

امنحوا أنفسكم الوقت والفرصة للتكيف، الحياة مليئة بالمفاجآت وما يبدو غير مناسب اليوم قد يصبح أعظم إنجازاتكم غدًا.