منذ نعومة أظافري، كنتُ أجد نفسي منخرطةً في النشاطات المدرسية التي تضيف عمقًا ومعنىً لتجربتي التعليمية. في مرحلتي -المتوسطة والثانوية- ، كنتُ ألقي كلماتٍ وبرامجَ مختلفةً ضمن الإذاعة المدرسية والأنشطة الإرشادية. لم تكن تلك مجرد كلماتٍ ألقيها، بل كنتُ أضع فيها كلَّ شغفي وإيماني بأهمية التوجيه والتأثير الإيجابي. كما قمتُ بتصميم برامج إرشادية صحية تهدف إلى توعية زميلاتي، وكانت دائمًا تنال إعجاب المعلمات والمرشدات، مما جعلني أشعر بالفخر والسعادة.
تميزتُ أيضًا بكوني الطالبة المثالية التي كانت تُكرَّم في كل عامٍ تقريبًا. كان هذا التقدير يعكس التزامي وجهودي المستمرة في تحقيق التفوق والتميز في كافة المجالات، سواء الأكاديمية أو الاجتماعية.
في لحظةٍ فارقةٍ من حياتي، تحديدًا عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، شعرتُ بشرارةٍ داخليةٍ تجذبني نحو عالم التطوّع. كان العطاءُ وتقديمي للآخرين يملأ قلبي بالرضا والسكينة، ويمنحني شعورًا عميقًا بقيمة ذاتي. كلُّ تجربةٍ خضتها كانت تدفعني نحو المزيد، حتى أدركت شيئًا جوهريًّا: أحد أهدافي الكبرى في الحياة هو خدمة الآخرين ومساندتهم.
حينها، انضممتُ إلى "فريق نجم التطوّعي"، وكنتُ أصغرَ إداريةٍ في الفريق، وهي تجربةٌ كانت بمثابة نقطةِ الانطلاق لمسيرتي في هذا المجال. وفي السابعة عشرة من عمري، قرّرتُ أنا وصديقتي تأسيس فريقنا التطوعي الخاصّ، "فريق البشر التطوعي"، الأول من نوعه في المملكة، والذي ركّز على مجال الموارد البشرية. قدّمنا من خلاله برامجَ مميّزة، كان أبرزها (مبادرة جدير)، التي استهدفت تأهيل المتعافين والمصابين بالسرطان لدخول سوق العمل، ودمجهم في الحياة المهنية بروحٍ جديدةٍ.
لا يمكنني أن أنسى اللحظات الاستثنائية التي عشناها بعد انتهاء البرنامج، حين غمرَنا المشاركون بالشكر والامتنان، مما أشعلَ في داخلي شعورًا لا يوصف. تلك التجربة أضافت معنى خاصًّا لحياتي، كما كانت سببًا في لقائي بصديقتي الغالية -رنا-، إحدى أنقى وأجمل الأرواح التي عرفتها. على الرغم من أن المرض قد غلبها، إلا أن ذكراها تبقى حيّةً في داخلي، تذكرني دائمًا بقيمة العطاء ونقاء النوايا.
بعد هذه التجربة، أصبحتُ أصغر مديرة مشروع تطوعي تنموي في "فريق المجتمع التطوّعي". كان لذلك الفريق، تحت قيادة الأستاذ " رائد المالكي"، تأثيرٌ عظيمٌ في حياتي؛ فقد علّمني الكثير مما ساعدني على اكتساب مهاراتٍ فريدةٍ وفتح لي أبوابًا جديدةً، من خلال الدورات وورش العمل التي ركزت على العمل التطوّعي والتنموي حتى أصبحت مرشدة تطوعية.
لاحقًا، حين التحقتُ بالجامعة، اتسعت آفاقي بشكلٍ غير مسبوق. ساعدني تخصّصي في التمريض على إدراك أهمية التوعية المجتمعية، وشاركتُ في العديد من الحملات المجتمعية التي كنتُ متأكدةً من تأثيرها الكبير على المستمعين. خضت أيضًا تجارب قيادية مختلفة ضمن برامج الأندية والأنشطة، وكانت أبرزها (منصب نيابة رئيس نادي الطلاب) في سنتي الثالثة. تلك التجربة كانت مدرسةً حقيقيةً علّمتني كيف أتخذ القرارات الصائبة، وأحلّ الأزمات، وأوازن بين مسؤولياتي الدراسية والشخصية. أصبحتُ قادرةً على التعامل مع الموظفين والإداريين بكفاءةٍ عالية، حتى أن اسمي بات يتردد في أرجاء الجامعة كرمزٍ للنجاح والتميّز.
ومن بين التجارب التي ستظل محفورةً في ذاكرتي، مشاركتي كمتحدثةٍ في برنامج TEDx، الذي طالما كنت أستمع إليه منذ كنتُ في المرحلة المتوسطة. أن أكون جزءًا من هذا البرنامج كان بمثابة حلمٍ يتحقّق. كلما أعدتُ مشاهدة مقطعي واسترجعتُ تصفيق الجمهور الحارّ، أشعر بقشعريرةٍ تجتاح جسدي، تعيدني لتلك اللحظة الإستثنائية التي بدت وكأنها جزءٌ من الخيال.
وفي نهاية العام الجامعي، جاءت اللحظة التي لن أنساها أبدًا، حين قال لي عميد شؤون الطلاب، الأستاذ الدكتور بدر المقبل: "أنتِ بطلة السنة يا ميسون!". تلك الكلمات كانت شهادةً على تأثير التطوّع في حياتي؛ فهو ما جعلني أدرك قيمة ذاتي وحدود قدراتي التي فاقت كلَّ توقّعاتي.
التطوّع علّمني إدارة وقتي بإحكامٍ وإتقان، والموازنة بين مختلف جوانب حياتي. كما فتح لي آفاقًا جديدة للتواصل مع الآخرين، وعلّمني كيف أكون قائدةً داعمةً لفريقي، لا مجرد مديرةٍ متحكمة. بفضل هذا النهج، أصبحتُ قدوةً للعديد من الأشخاص، وحُفظت لي سمعةٌ طيبةٌ أفتخر بها.
إذا عاد بي الزمن، لن أغيّر شيئًا مما فعلت، لأن كلَّ تجربة، حتى تلك التي تعثّرت فيها، صنعت مني إنسانةً أقوى وأفضل. ومن خلال عملي في المستشفى، ومعاملتي للمرضى، أدركتُ أن قضيتي الأساسية هي تقديم الدعم والمساعدة للآخرين، مما انعكس في مهارات تواصلي وتعاطفي مع المرضى، وأصبح دكاترة المواد والإداريون يثنون على مهاراتي وتميّزي.
التطوّع بالنسبة لي لم يكن مجرد عملٍ إضافي، بل كان رحلةَ نموٍّ واكتشافٍ عميقين. لذلك، أقول للجميع: اغتنموا الفرص، واحتسبوا الأجر في كل خطوة. اتركوا أثرًا وبصمةً، مهما كانت صغيرة، لأنها قد تُحدث تغييرًا كبيرًا في حياة الآخرين.
ميسون الخضير